نصر حامد أبو زيد
86
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
بالنص من جهة وبالواقع من جهة أخرى ، بل انها تتجاوز ذلك إلى التعليل النابع من الاحساس بجدلية العلاقة بين الواقع والنص . لقد كان تأخر الوحي نوعا من التأديب لمحمد الذي وعدهم بالرد على جهة القطع والتأكيد في الغد « دون أن يستثني » كما تقول الرواية ، أي دون أن يشترط المشيئة الإلهية أو نزول الوحي عليه . لقد كان من شأن الوحي لو أجاب على أسئلتهم في الغد كما وعدهم أن يؤكد في نفوس قومه شكوكهم في أنه ينقل عن كتاب أو في أن ثمة من يملي عليه ما يزعم أنه يأتيه من ربه ، وهي اتهامات صارحوه بها فعلا قبل ذلك في أكثر من مناسبة . لذلك تحرص السيرة على بيان أن نزول الوحي ليس رهنا بإرادة محمد أو رغبته ، وتحرص كذلك على التمييز بين مستويين للخطاب في النص هما مستوى المتكلم ومستوى المخاطب ، وهما مستويان يطرحهما النص ذاته باستخدام « يسألونك » وباستخدام النهي : « وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » . إن السيرة النبوية تقوم في كثير من مروياتها بالربط بين أحداث الواقع وبين النص ، ولذلك نعجب من تجاهل علماء القرآن لمرويات السيرة سواء في مجال التفسير أم في مجال « أسباب النزول » رغم اعتمادهم في علومهم كلها على مرويات لا تعلو كثيرا على مرويات السيرة من حيث طرق التحمل والأداء . وهذا ما عبر عنه الإمام أحمد بن حنبل في قوله : « ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازي » وقد فسر المحققون من أصحابه قوله هذا بأن قالوا : « مراده أن الغالب عليها أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة » ، أو أن « الغالب عليها المراسيل » « 1 » . 4 - فرض تكرر النزول إن منهج التلفيق بين الروايات المختلفة والمتعارضة بصرف النظر عن صدقها - سواء من جهة اتفاقها مع الوقائع أم من جهة اتفاقها مع معطيات النص - قد تجاوز أسباب النزول وحدود التمييز بين المكي والمدني إلى مجال الآراء المختلفة في التفسير . لقد صار العالم القديم قادرا بحكم منهجه التلفيقي على القول بأن منطوق الآية أو الآيات يحتمل المعاني المختلفة التي وردت فيها على ألسنة أسلافه . وما دام منهج التلفيق قد وصل إلى افتراض امكانية نزول الآية أو السورة مرتين فلما ذا لا يكون كل نزول منها مرتبطا بمعنى محدد ، بحيث يكون تعدد المعاني مرهونا بتعدد مرات النزول ، لا صفة في جدلية علاقة القارئ مع النص ، أو في تفاعل النص مع الواقع والثقافة . لم يكن التسليم بتعدد المعنى في النصوص نابعا اذن من التسليم بخصوبتها وحيويتها ، ولكنه كان أيضا محاولة تلفيقية بين الاجتهادات المختلفة
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 178 .